العلامة المجلسي

148

بحار الأنوار

ثم اعلم أن الحيل والسحر وخفة اليد كلها وجوه متى فتش عنها الانسان يقف على تلك الوجوه ، ولهذا يصح فيها التتلمذ والتعلم ، ولا يختص به واحد دون آخر ، مثاله أنهم يأخذون البيض ، ويضعونه في الخل ، ويتركونه فيه يومين وثلاثة حتى يصير قشره الفوقاني لينا بحيث يمكن أن يطول فإذا صار طويلا بمده كذلك ، يطرح في قارورة ضيقة الرأس ، فإذا صار فيها يصب فيها الماء البارد حتى يصير البيض مدورا كما كان ، ويذهب ذلك اللين من قشره الفوقاني بذلك بعد ساعات ، ويشتد بحيث ينكسر انكساره أو لا فيظن الغفلة أن المعجز مثله وهو حيلة . ونحو ذلك ما ألقى سحرة فرعون من حبالهم وعصيهم تخيل الناظر أنها تسعى ، احتالوا في تحريك العصا والحبال بما جعلوا فيها من الزيبق ، فلما طلعت الشمس عليها ، تحركات بحرارة الشمس ، وغير ذلك من أنواع الحيل ، وأنواع التمويه والتلبيس وخيل إلى الناس أنها تتحرك كما تتحرك الحية ، وإنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته ، وخفي ذلك عليهم لبعده منهم ، فإنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم . وفي هذه دلالة على أن السحر لا حقيقة له ، لأنها لو صارت حيات حقيقة لم يقل الله تعالى " سحروا أعين الناس " ( 1 ) بل كان يقول : فلما ألقوها صارت حيات ثم قال تعالى : " وأو حينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون " ( 2 ) أي ألقاها فصارت ثعبانا فإذا هي تبتلع ما يأفكون فيه من الحبال والعصى ، وإنما ظهر ذلك للسحرة على الفور ، لأنهم لما رأوا تلك الآيات والمعجزات في العصا علموا أنه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله ، فمنها قلب العصا حية ومنها أكلها حبالهم وعصيهم مع كثرتها ، ومنها فناء حبالهم وعصيهم في بطنها إما بالتفرق أو الخسف ، وإما بالفناء عند من جوزه ، ومنها عودها عصا كما كانت من غير زيادة ولا نقصان ، وكل عاقل يعلم أن مثل هذه الأمور لا تدخل تحت مقدور البشر ، فاعترفوا كلهم ، واعترف

--> ( 1 ) الأعراف : 115 - 117 . ( 2 ) الأعراف : 115 - 117 .